أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
113
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الزبير » « 1 » هذا معنى كلام أبي عبيدة وغيره من أهل اللغة . وقيل : الحواريّ وهو صفوة الرجل وخالصته ، واشتقاقه من حرت الثوب أي : أخلصت بياضه بالغسل ومنه سمّي القصّار حواريّا لتنظيفه الثياب ، وفي التفسير : أنّ اتباع عيسى عليه السّلام كانوا قصّارين ، قال أبو عبيد : « سمّي أصحاب عيسى حواريين للبياض وكانوا قصّارين ، قال الفرزدق : 1314 - فقلت : إنّ الحواريّات معطبة * إذا تفتّلن من تحت الجلابيب « 2 » يعني « النساء » . قلت : يعني أنّ النساء لبياضهنّ وصفاء لونهنّ لا سيما المترفّهات يقال لهنّ الحواريات ، ولذلك قال الزمخشري : « والحواريّ صفوة الرجل وخالصته ، ومنه قيل للنساء الحضريات : الحواريّات لخلوص ألوانهن ونظافتهن ، وأنشد لأبي جلدة اليشكري : 1315 - فقل للحواريّات يبكين غيرنا * ولا يبكنا إلّا الكلاب النّوابح « 3 » انتهى . ومنه سمّيت الحور حورا لبياضهنّ ونظافتهنّ . والاشتقاق من الحور وهو تبييض الأثواب وغيرها . وقال الضحاك : « هم الغسّالون ، وهم بلغة النّبط . هواري بالهاء مكان الحاء » ، قال ابن الأنباري : « فمن قال بهذا القول قال : هذا حرف اشتركت فيه لغة العرب ولغة النبط ، وهو قول مقاتل بن سليمان : إن الحواريين هم القصارون » . وقيل : هم المجاهدون كذا نقله ابن الأنباري وأنشد : 1316 - ونحن أناس تملأ البيض هامنا * ونحن الحواريّون يوم نزاحف « 4 » جماجمنا يوم اللّقاء تراسنا * إلى الموت نمشي ليس فينا تجانف قال الواحدي : « والمختار من هذه الأقوال عند أهل اللغة أن هذا الاسم لزمهم للبياض . ثم ذكر ما فكرته عن أبي عبيد . وقال الراغب : وحورت الشيء بيّضته ودوّرته ، ومنه : الخبر الحواري . والحواريون : أنصار عيسى ، وقيل اشتقاقهم من حار يحور أي : رجع ، قال تعالى : « إنه ظنّ أن لن يحور » « 5 » أي : يرجع ، فكأنهم الراجعون إلى اللّه تعالى ، يقال : حار يحور حورا أي : رجع ، وحار يحور حورا إذا تردّد في مكان ، ومنه : حار الماء في الغدير ، وحار في أمره وتحيّر فيه وأصله : تحيور ، فقلبت الواو ياء فوزنه تفيعل لا تفعّل ، إذ لو كان تفعّل لقيل : تحوّر نحو : تجوّز ، ومنه قيل للعود الذي عليه البكرة : محور لتردّده ، ومحارة الأذن لظاهره المنقعر تشبيها بمحارة الماء لتردّد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة ، والقوم في حور أي : في تردد إلى نقصان ، ومنه : « نعوذ باللّه من الحور بعد الكور » « 6 » وفيه تفسيران : أحدهما : نعوذ باللّه من التردد في الأمر بعد المضيّ فيه . والثاني : نعوذ باللّه من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها . ويقال : حار بعد ما كار ، والمحاورة : المرادّة في
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6 / 62 ، كتاب الجهاد والسير ( 2846 ) . ( 2 ) انظر البيت في ديوانه ( 1 / 524 ) ، اللسان ( حور ) . ( 3 ) انظر البيت في المؤتلف والمختلف ( 79 ) ، معاني الزجاج 1 / 423 . ( 4 ) البيتان في زاد المسير لابن الجوزي 1 / 410 ، ولم نعرف قائلهما . ( 5 ) سورة الانشقاق ، آية ( 14 ) . ( 6 ) أخرجه مسلم 1 / 979 كتاب الحج ( 426 - 1343 ) ، والترمذي 5 / 464 ، كتاب الدعوات ( 3439 ) . وقال : هو ومعنى قوله الجور بعد الكور إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر ، أو من الطاعة إلى المعصية ، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر